
|
خطبة الجمعة (417) 10 شعبان 1431هـ 23 يوليو 2010م
23/07/2010م - 3:55 ص | عدد القراء: 89
![]()
يوم القائم (عجل الله فرجه): وينشر من رحمته وهداه وآمانه وبركات رزقه وعطاءات دينه ما تطمئن إليه النفوس وتأنس القلوب وتهدأ الخواطر، وينصرف الناس عن التنافس على الدنيا وحقاراتها والإقتتال ظلما، أو من أجل لقمة عيشٍ شحيحٍ سلبت وكرامةٍ منقوصةٍ هدرت وآمنٍ غير أمنٍ ضيع وحياةٍ لا يفارقها الشقاء، ويخرجون من عبادةٍ للطواغيت والشهوات تغيب العقل، وتقتل الضمير، وتسلب العزة، وتميت الكرامة، وتجفف منابع الخير في النفس وتطفئ النور فيها وتستأصل منها الهدى، وتجتث الأمل، وتذوي بمشاعر الروح، وتغلق عليها آفاقها. يخرجون من عبادة تأتي عليهم عقلاً وروحاً وإرادة خير، وتنفصل بهم عن غاية الحياة، وتجعلهم اسارى مستنقع الأرض، وبمستوى حشراتها وديدانها، وتقطع عليهم النظر إلى الآخرة وإلى أنفسهم وبارئهم[1]. وأكبر مصيبة أن ينقطع نظر الإنسان عن نفسه وعن بارئه، وتوصل دونهم طريق السعادة إلى الله الواحد الآحد التي ترتفع بآفق النفس، وتحيي العقل، وتوقد الضمير، وتبعث الروح، وتفجر منابع الخير في القلوب، وتطمئن لها النفوس، وتربح الحياة وتسعد الآخرة، عبادة ينال بها الإنسان هداه وراحته وكرامته ومستواه الرفيع، وهنأت الحياة، ونعيم الآخرة، وتعز نفسه ويعظم منها القدر، وتعلو القيمة، وتنفتح البصيرة، وتتضح السبل، وتتحقق الغاية. يوم القائم (عليه السلام) يوم بعث الإنسان[2]. ولو جدوا واخلصوا في البحث عن المبدأ المنقذ، عن القيادة المنقذة، فلن يدلهم عقلٌ ولا وجدانٌ ولا طلب مصلحةٍ حقيقةٍ على غير الإسلام منهجا والقائم (عليه السلام) ومن يقوم مقامه في كل غيبته قائداً وهادياً وأميناً ودليلا. المبدأية والإنفتاح (2): وهناك مبدأ رحمة واسع الإنفتاح على مصارح كل انسان وكل جماعة وكل آمة، وينظر للإنسان في نفسه نظرة احترام، ولا يعادي الحق في أحد، ولا يبخل بالخير والهدى على أحد، ولا يضمر لإنسانٍ شرا، ولا يعادي في الناس إلا ما كان جهلاً وضلالاً وزيغاً عن الحق وانحرافا وظلماً وباطلا، ولا يقرب انسانٍ إلا لحسن عملٍ وسريرة، ولا يبعد آخر إلا لقبح ظاهر وباطن، ظاهرٍ من فعل وباطنٍ من ضمير. مبدأٌ قد يقسو، ولكن لا يقسو إلا على شر، أما الخير فيرحب به في كل انسان، ويشيد به على يد أياً كان، ومن أين جاء، وهو مبدأ يطلب العدل مع الصديق والعدو، والقريب والبعيد، وينافح عن المظلوم أي مظلوم، ويعمل على رد الحق ممن سلب منه وإن كان العدو المبين[3]. وهناك مذهبٌ كذلك، والإسلام مذهب أهل الببت (عليهم السلام) مثالٌ صادقٌ كل الصدق لهذا المبدأ والمذهب والدين الذي وصفناه، ولو انحرف فهمٌ بأي مبدأٍ حق[4] ودينٍ قويم ومذهبٍ صدق ومال به عن خط المحبة والإنفتاح الهادف الصالح البناء والعدل القويم، انقلبت صورته وصار إلى العصبية العمياء والجهل الأهوج والعدوانية الشرسة، التي تدفع إلى هدر الحق، واستباحة الآخر، وسفك الدماء، واعمال القتل والتجزير للأبرياء، واخافة الأمنين، وترويع الحياة، وتبرير الظلم، والتنظير لوحشية السلوك واشاعة الفساد. الفهم السقيم قد يقلب كل موازين الدين فيحوله من دين عدلٍ إلى دين ظلم، ومن دين محبةٍ إلى دين بغضاء. وهناك من يحرف فهم الإسلام فيصير به إلى صورة عدوانية قاتمة كالحة منفرة، ويجعله بتحريفه دين مجازر ومحارق وسفكاً للدم الحرام بلا ضوابط ولا حساب. وهذا من أكبر الظلم للإسلام، ومن أكبر الظلم للمذاهب على تفاوتها، لأن ليس من مذهب تصح نسبته للإسلام بشيءٍ من الصدق يمكن أن يقوم على مبدأ الظلم والوحشية والتنكر للحقوق، وانفلات المشاعر، والكراهية البهيمية السوداء، والحقد الجاهلي الدفين. وكفى من انفتاح الإسلام الحق الذي نؤمن به قوله تعالى: {إن الله يامر بالعدل والإحسان} مع المؤمنين فقط؟ مع خاصة المؤمنين بالإسلام فقط؟ أم الآية فيها اطلاق؟ { إن الله يامر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}[5]، فالأمر والنهي في الآية الكريمة يسدان باب كل شر، ويفتحان باب كل خير في تعامل الإنسان مع الإنسان وغير الإنسان، ويأخذان بيد المسلم إلى اقوم السلوك، وانظف التعامل، وانفع العلاقات التي تعمر بها الحياة، وتأمن المجتمعات، وتنتهي اسباب التوتر، ويبان كل مبرر للعدوانية والظلم والكراهية الجاهلية السوداء، والإستهانة بالحقوق، والتسرع في الدماء، وارتكاب الهتك والفتك بغير ما أنزل الله وشرع دينه العدل ووحيه الحق الصدق. وأما التشيع فنأخذ فهمنا له في التعامل مع كل الناس، من مثل هذه النصوص، عن الإمام الباقر (عليه السلام): (شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ...) لا يحملهم الغضب على ظلم حيوان فضلاً عن الإنسان. (.. وإن رضوا لم يسرفوا ..) رضى عن الصديق عن الحبيب لا يجعلني اسرف، وكل خروج عن حد الله فيه سرف. ثم عن العلاقات مع الآخر[6] وهي علاقة تخلوا من الظلم وتلتزم خط العدل، وتغنى بالخير والبركة[7]، وتنأ عن العدوانية والمكر السيء والنية السوداء والمخالطة بالسوء. وعن الصادق (عليه السلام): (يا شيعة آل محمد، إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ومن لم يحسن صحبة من صحبه)، أياً صحبت، إذا لم احسن صحبة من صحبته فأنا ليس من مذهبهم بالدقة وكما ينبغي، صحيح من مذهبهم ولكن على نقص ومخالفة ومغايرة لهم (عليهم السلام). (.. ومرافقة من رافقه ومصالحة من صالحه ومخالفة من خالفه)، والحديث يقرر حسن الصحبة مع الآخر ورفقته بحيث لا تخرج عن العدل والإحسان، كما يقرر مصالحة الآخر المصالح فلا مكر به ولا ختل ولا خديعة، وحتى من خالف وخاصم لا يطاله الشيعي ـ في تقرير الحديث ـ بظلم ولا يتعدى في التعامل معه حدود الله وكل حدوده سبحانه حدود عدلٍ وحق. الشيعي الحق لا يسيء المخالفة مع من خالفه، فلا يظلم ولا يفجر ولا يستبيح ما حرم الله وخالف دينه[8]. وعن الصادق (عليه السلام) كذلك: (ليس من شيعتنا مَن يكون في مصرٍ يكون فيه آلاف ، ويكون في المصر أورع منه). مطلوب من الشيعة ان يكون هو المثل الأول من بين كل الألوف في المصر الذي يقطنه، الشيعي صادق التشيع لابد أن يكون المثل الأعلى من بين الآلوف في المصر في الورع والتقوى وكف الآذى عن الناس والنموذج الأروع في حسن التعامل، والتعاون على الخير، وبر الآخر. وفي ضوء هذا الإسلام والتشيع في الفهم الصحيح لهما لا يسعنا أن نخذل مظلوما ونقف مع ظالم، ولا أن نساعد على إرتكاب منكر، أو نهادن رذيلة، أو ننطوي على حقدٍ جاهلي أسود بأحد من الناس أياً كان، أو أن نعادي الإنسان وإن عادينا ظلمه وبغيه وفحشه وسوءه، أو أن نسعى في الناس بفتنة وفي الأرض بفساد، أو أن نرضى بحرب نهبٍ وتشفٍ واستكبار، أو نكف عن دعوة الخير ونداء الإصلاح، أو نقف على محنة مستضعفٍ فلا نغيثه ونحن قادرون، أو ندعوا دعوة جاهلية للفرقة، أو لا نذرء ظلماً لآمةٍ أو شعبٍ أو فئةٍ من الناس ونحن نملك أن نذرءه. نحن نفهم أن الإسلام دعوة للمحبة والإخاء والعدل والإحسان والمعروف، ودفع الآذى ورفع الظلم، وتطهير العقول والصدور، وفتح الألباب والأرواح على الخير والصلاح، ونحاول دائماً الإنسجام عملاً مع هذا الفهم، ولا عاصم إلا الله وبالله المستعان. نحن مع انفتاح يرضاه الله، وتأذن به شريعته، انفتاح لا يقارب دنيئة، ولا يضيع حقيقة، ولا يمزج حق بباطل ولا معروف بمنكر، ولا يبرر لظلم، ولا يتستر على رذيلة، ولا ينتصر لظالم، ولا يعين على مظلوم، وينشر الحب في الخير، والتعاون على المعروف، ويألف القلوب على غير باطل، وينفع الناس. [1] كل من في الدنيا يعبد ولكن العبادة عبادتان، عبادةٌ ترتقي بصاحبها وتصلحه، وعبادةٌ تحط مستوى صاحبها وتفسده، عبادة غير الله مفسدة تحط بالقدر وتجفف انسانية الإنسان، وعبادة الله هي وحدها التي تصلح وتعلي.
[2] المسألة ليست مسألة لقمة بطن جائع يشبعه الإمام (عليه السلام) هذه المسألة ثانوية، اللقمة تتوفر في أكبر صورة في تاريخ البشرية، وتكون الحالة المادية في أوسع حالة، ولكن المهمة الكبرى للإمام (عليه السلام) هي أن يصنعني ويصنعك، يعود بي إلى رشدي و يعود بك إلى رشدك، يضع يده على عقول الناس، نحن الأن بلا عقول في تعاملنا مع أنفسنا مع بيوتنا. [3] إلتفت الإسلام يتحمل مسئولية رد الحق لمن سلب عنه وإن كان العدو المبين. [4] قد يكون المبدأ حقاً ولكن الأفهام قد تنحرف به عن خطه، وقد يكون المذهب حقاً وصحيحاً ولكن الأفهام قد تسقمه. [5] سورة النحل - سورة 16 - آية 90. [6] الحديث يتحدث عن جنبتين جنبة عن العلاقات الداخلية ـ أي بين الشيعي والشيعي ـ وعن العلاقات بين الشيعي وغير الشيعي. [7] لا يكفي أن تعدل مع الآخر إنما تكون بركةً عليه ومحسناً إليه. [8] يقف منك موقف العدو، عليك ان تحسن مخالفته بألا تتعدى حدود الله واحكامه في التعامل معه، فلا يصدر منك ظلم له على الإطلاق. التعليقات «0» |