
|
خطبة الجمعة (416) 3 شعبان 1431هـ 16 يوليو 2010م:ـ
19/07/2010م - 1:47 ص | عدد القراء: 89
![]()
حياة الروح: وغزرت انسانيته، وتدفق عنه الخير، وطفحت حياته بالصلاح، ومن لم يكن كذلك اصاب حياة روحه العطب والخمول، ودخلها الفساد فانتكست انسانيته، وسقطت عن مستواها، ورشح عنه شرٌ كثير، وأوبئ جو الحياة. وإذا كان بحياة الأبدان من ربيعٍ وجوٍ مناسبٍ فإن حياة الأرواح لها جوٍ مناسبٌ وربيع، ورجب وشعبان وشهر رمضان ربيعٌ للأرواح المهيئة للإزدهار أو عودة الحياة إليها من جديد، فيه قرصة كبيرة لاستعادة الصحة بعد الإعتلال[1]، والنشاط بعد الكسل، والرواء بعد الجفاف، والقوة بعد الضعف، والحياة الكريمة بعد المشارفة على الهلاك. هذه اشهر غنيةٌ بذكريات عظيمة ومناسبات عزيزة من ذكريات الإسلام ومناسباته، فيها مواليد عددٍ من أئمة الهدى وأبطال الإسلام من الإمام الجواد والإمام الهادي وعلياً أمير المؤمنين والإمام الحسن الشهيد والإمام زين العابدين والعباس بن علي (عليهم السلام)، وفيها المبعث النبوي الشريف، ويوم بدر الكبرى، وليلة القدر التي هي خير من الف شهر، وتنزل القرآن الكريم على روح رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم). كل هذه الذكريات تحفل بها الأشهر الثلاثة، وهي اشهر غنية بأذكارها وصلاوتها وصومها وهداها، وجوها الإيماني العام، ولطائف نسماته التي تهب على أرواح المؤمنين فتزيد في يقضتها وحيويتها ورشدها وهداها. وهذه الأيام من شعبان هي أيام ذكريات مواليد الأبطال الثلاثة الذين قامت على اكتافهم إلى جنب الثلة الطيبة من بني هاشم والأنصار الأخيار وزينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) ثورة كربلاء، وأداء رسالتها، واعطاءها البقاء التاريخي الممتد، والأثر الكبير الهائل الكريم في حياة الإسلام والمسلمين، والحفاظ على اصالة دين الله وصدقه ونقاءه، ولقد كان لكلٍ من أبطال هذه الذكريات الثلاث شاهدٌ على العظمة والصدق مع الله عزوجل والوفاء إليه والإخلاص. دورٌ كان فيه درءٌ للخطر عن الإسلام وحمايته وتصحيح مساره، وافشال عملية التحريف الواسع والقاتل لرؤاه ومفاهيمه واسسه، ولا يوجد بيتٌ في الأرض على الإطلاق حمى الإسلام كما حماه أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، أو ضحى من أجله كما ضحوا، أو اصابه في سبيله كما أصابهم، ولا من يملك من علم الإسلام ما يملكون، ومن الإحاطة بأسراره ما كان لهم من إحاطة، ولا من الحرص على سلامته ما يبلغ حرصهم عليه. المبدئية والإنفتاح: هذه الأقلام تتحدث عن انفتاح هذه الشخصية المتوفاة أو تلك وكأنه انفتاح بلا حدود ولا ضوابط، ولا يميز بين إيمان وكفر، واستقامة وانحراف، وعدل وظلم، وتقوى وفجور، وهدى وظلال. تتحدث عن انفتاح لا ينطلق من هوية، ولا يحترم حدود دين، ولا يرعى له حرمة، هذا كيدٌ بالإسلام، وفنٌ من الفنون الشيطانية في هدمه، وينطلق من أغراضٍ سيئة واهدافٍ سياسية خبيثة[2]. هذا اللون من المكر يوجه خطاب للجمهور المؤمن بأن الشخصية الإسلامية المثال هي التي تعيش هذه الحالة من الإنفتاح المبتسر، وتضحك للفساد، ولا تفرق بين واجب العمل على وحدة الأمة وصيانتها وحمايتها والدفاع عن حقوق كل أبنائها، وبين السكوت على ظلم الظالم، وعربدة المعربد، وافساد المفسد[3]، والسرقات العامة واغتيال الشعوب ووحدتها. إنه خطاب يوحي للجماهير المؤمنة بأن تنفصل عن المدافعين عن الحقوق، المناضلين عن عزة الأمة، المحامين عن حرمة الدين وقدسيته وسلامة مفاهيمه واحكامه، والذائذين عن حرم الأخلاق وحرمة القيم. إن هذه الأقلام توجه ضربات موجعة وترتكب أثم عظيم في حق شخصياتنا العلمائية التي عرفت بانفتحاها المبدئي ـ وليس كل انفتاح ـ وحرصها على الإسلام وتمسكها بقيمه ورساليته، وحديته من الظلم والتمييز والتمييع والإظلال للإنسان، والتي وقفت مواقف صريحة جرئية ممضائة، وضحت تضحياتٍ باهضة صابرة، ودفعت ثمناً عالياً غالياً من راحتها وأمنها، وتعرضت للآذى القاسي المستمر في سبيل القيم والأخلاق والمبادئ، وكان همها الدين وإلتزمت خطه رغم كل التحديات. إنها محاولة اغتيال خبيثة لشخصياتنا العلمية الدينية، تشارك فيها أكثر من جهة، ولأكثر من غرض، وتتكرر مع أكثر من وفاة عالم مجاهد يحتل مكانةً في نفوس المؤمنين. محاولة اغتيال لحالة الوعي الإسلامي عند شبابنا، واسقاطٌ لقيمة العاملين في سبيل الله بأمانة واخلاص ومبدئية ورسالية، في وضع من الإنفتاح الذي يرضاه الله سبحانه وتسمح به شريعته، أرضى هذا الإنفتاح المعتدل الآخرين أو لم يرضهم. إن الدعاة إلى الله لا يركضون وراء اعجاب الصحف ووراء اعجاب الأقلام المأجورة، إن الدعاة الصادقين لله عزوجل إنما يطلبون رضاه ويتقيدون بما أمر ونهى. أصحاب هذه المحاولة المغتالة لشخصياتنا العلمائية الدينية العزيزة يعرفون تماماً مبدئية تلك الشخصيات وتمسكها بالإسلام الذي يرسم حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان، والظلم والعدل، والإنحراف والإستقامة، ولا يسمح بخلط الأوراق ولا التقول على الدين، ولا إدخال ماليس منه فيه، ولا يأذن بالموافقة على الظلم ومباركة البغي، والرضا عن الفساد، والتمييز بين الناس بغير حق. وهم من اعدى الأعداء لمواقف أؤلئك العلماء الأفذاذ المناهضة لكل أشكال الفساد والظلم والتمييز الجاهلي واذلال الشعوب والأمة، ولكنهم يغمضون عن كل ذلك في كتباتهم الكاذبة عن شخصية هذا العالم المجاهد أو ذاك، ويظهرون بمظهر المحب المعجب الذي لا يبخل بالثناء والتمجيد والتكريم للشخصية المستهدفة. إن الإنفتاح الذي يرضاه دين الله سبحانه هو انفتاح ينئ بالشخصية الإسلامية العارفة بالإسلام عن التعصب الأعمى والظلم للآخر أو السكوت عليه والرضا به وعدم دفعه مع الإمكان[4]، وعدم الغمط لقيمة كلمة الحق، وموقف الحق السليم من أي مكانٍ جائت هذه الكلمة، وقبول وجهة النظر من أين جائت، وعدم الإنغلاق عن حوار الآخر والسماع لما عنده من رآي وما يبديه من عذر. إنه انفتاح لا يضع شرطا ًعلى قبول الحق، ولا يستثني منه ما صدر من مكانٍ خاص أو زمانٍ معين أو جهةٍ محددة[5]، ولا يألو جهداً في جمع الناس على الحق، وعلى احترام بعضهم بعضا، ورعاية الحقوق، وتقدير الحرمات، وحفظ كرامة الإنسان، واعطاء كل ذي حقٍ حقه، والإنصاف في الكلمة الموقف، هذا هو إسلامنا، وهذه هي تعاليمنا التي نتحرك على ضوئها وننطلق منها في التعامل مع الآخر. القوم يريدون أن يتهموننا بالطائفية في صورة من الكذب الفاضح، ولم تسمع من هذه المنابر في يومٍ من الأيام كلمة مفرقة، وكانت الدعوة دائماً دعوة إلى الإتحاد، واحدنا مستعد لبذل نفسه إذا استطاع في سبيل الدفاع عن حق الآخر. وحقك أنه لو كانت حكومية شيعية وظلم سنيٌ واحد، لما بخل الشيعي المؤمن الواعي عن الدفاع عنه ومواجهة ظلم الحكومة. أما الإنفتاح التي تدعوا إليه الأقلام ـ المنغلقة عن الحق، المتعصبة للباطل، المشاركة في ظلم الشعوب، المنطلقة من روح التمييز، المتأمرة في الظلام على سلامة الدين وكرامة الإنسان وحق المحرومين ـ وتطالبنا به، هو انفتاح لا يعرفه الإسلام ولا يمكن أن يعتبره الإنسان المسلم، وليس لنا أن نعيره اهتمام، وهو يطالبنا أن نميع أمام الظلم، وأن نصفق للباطل، وأن نهرول مع من يهرول على خط تدين الأمة وتغريبها ومسخ هويتها وأن ننسخ من الهوية ونندمج في جو الفساد والمفسدين. لا لسنا على استعدادٍ لأن نفعل شيءً من هذا إن شاء الله. إن رضا الأقلام الفسادة المفسدة لا يُنال إلا بالتنازل عن الدين والشرف والعزة والكرامة، والإنفصال عن الله عزوجل، وبيع النفس للشيطان، وتردي الذات، والخروج من حد الإنسانية، فهل يفعل عاقلٌ بنفسه كل ذلك، حتى ينال رضا الصحافة الساقطة والعقول المريضة والنفوس المسكونة للشيطان؟ ثم إن حمالات التشويه لشخصياتنا العلمائية المخلصة، وايهام الشباب بمفاهيم مكذوبة على الإسلام وفصلهم عن الشخصيات الإسلامية المبدئية، لا يسقطها إلا تقدم وعي الشعوب ويقظتها ومعرفتها بالإسلام ورؤاه واحكامه، وتنبهها بدسائس أعداء الإسلام والشعوب. علينا أيها الأخوة أن نقرأ ما بين السطور دائماً، وأن نعرف ماذا يريدون مما يكتبون. [1] إن الأرواح لتعتلُ كما تعتلُ الأبدان.
[2] نتذكر يوم وفاة الجمري (رحمه الله) وكيف أنه أريد له أن يجير لغير الإسلام، وتتكرر التجربة مع سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله بعد وفاته. [3] علمائنا دعاة وحدة، وانفتاح للوحدة، ومن أجل الحق وخدمة الحق، ولتقريب الناس للدين، وليس انفتاحهم مساواة بين الحق والباطل، وبين الفساد والصلاح. وما يراد له أن يقدم لعقلية شبابنا أن هؤلاء العلماء يقفون الموقف الواحد من الفساد والصلاح، من الكفر والايمان، فالنحذر. [4] أن يظلم اخي المسلم، أن يظلم أخي المسيحي، أن يظلم الإنسان أي انسان، وأنا اقدر على دفع ظلمه ولا ادفعه هذا عمى. الإسلام يدفع الظلم كل الظلم عن أي انسان. تكليف الإنسان المسلم إذا استطاع أن يدفع الظلم عن أي انسان كان عليه أن يدفعه. [5] بني إسرائيل كانت مصيبتهم أنهم كانوا مستعدين لقبول رسالة الرسول لو كان منهم، ولكن فاليقم مليون دليل على صحة رسالة رسول الله (صل الله عليه وآله) ولأنه ليس منهم فهم لا يقبلون رسالته، هذا انغلاق، هذا عمى، هو ليس من الإسلام على الإطلاق. التعليقات «0» |